ابن حجر العسقلاني

521

فتح الباري

يقول الا ان يشاء الله أو الا إن شاء الله ولو أتى بالإرادة والاختيار بدل المشيئة جاز فلو لم يفعل إذا أثبت أو فعل إذا نفى لم يحنث فلو قال الا ان غير الله نيتي أو بدل أو الا ان يبدو لي أو يظهر أو الا ان أشاء أو أريد أو اختار فهو استثناء أيضا لكن يشترط وجود المشروط واتفق العلماء كما حكاه ابن المنذر على أن شرط الحكم بالاستثناء ان يتلفظ المستثنى به وانه لا يكفي القصد إليه بغير لفظ وذكر عياض ان بعض المتأخرين منهم خرج من قول مالك ان اليمين تنعقد بالنية ان الاستثناء يجزئ بالنية لكن نقل في التهذيب ان مالكا نص على اشتراط التلفظ باليمين وأجاب الباجي بالفرق ان اليمين عقد والاستثناء حل والعقد أبلغ من الحل فلا يلتحق باليمين قال ابن المنذر واختلفوا في وقته فالأكثر على أنه يشترط ان يتصل بالحلف قال مالك إذا سكت أو قطع كلامه فلا ثنيا وقال الشافعي يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول ووصله أن يكون نسقا فإن كان بينهما سكوت انقطع الا إن كانت سكتة تذكر أو تنفس أو عي أو انقطاع صوت وكذا يقطعه الاخذ في كلام آخر ولخصه ابن الحاجب فقال شرطه الاتصال لفظا أو في ما في حكمه كقطعه لتنفس أو سعال ونحوه مما لا يمنع الاتصال عرفا واختلف هل يقطعه ما يقطعه القبول عن الايجاب على وجهين للشافعية أصحهما أنه ينقطع بالكلام اليسير الأجنبي وان لم ينقطع به الايجاب والقبول وفي وجه لو تخلل أستغفر الله لم ينقطع وتوقف فيه النووي ونص الشافعي يؤيده حيث قال تذكر فإنه من صور التذكر عرفا ويلتحق به لا إله إلا الله ونحوها وعن طاوس والحسن له ان يستثنى ما دام في المجلس وعن أحمد نحوه وقال ما دام في ذلك الامر وعن إسحاق مثله وقال الا ان يقع سكوت وعن قتادة إذا استثنى قبل ان يقوم أو يتكلم وعن عطاء قدر حلب ناقة وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر وعن مجاهد بعد سنتين وعن ابن عباس أقوال منها له ولو بعد حين وعنه كقول سعيد وعنه شهر وعنه سنة وعنه أبدا قال أبو عبيد وهذا لا يؤخذ على ظاهره لأنه يلزم منه أن لا يحنث أحد في يمينه وان لا تتصور الكفارة التي أوجبها الله تعالى على الحالف قال ولكن وجه الخبر سقوط الاثم عن الحالف لتركه الاستثناء لأنه مأمور به في قوله تعالى ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله فقال ابن عباس إذا نسي أن يقول إن شاء الله يستدركه ولم يرد ان الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه ان ما عقده باليمين ينحل وحاصله حمل الاستثناء المنقول عنه على لفظ إن شاء الله فقط وحمل إن شاء الله عل التبرك وعلى ذلك حمل الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو داود وغيره موصولا ومرسلا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لأغزون قريشا ثلاثا ثم سكت ثم قال إن شاء الله أو على السكوت لتنفس أو نحوه وكذا ما أخرجه ابن إسحاق في سؤال من سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف غدا أجيبكم فتأخر الوحي فنزلت ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله فقال إن شاء الله مع أن هذا لم يرد هكذا من وجه ثابت ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله في حديث الباب فليكفر عن يمينه فإنه لو كان الاستثناء يفيد بعد قطع الكلام لقال فليستثن لأنه أسهل من التكفير وكذا قوله تعالى لأيوب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث فان قوله استثن أسهل من التحيل لحل اليمين بالضرب وللزم منه بطلان الاقرارات والطلاق والعتق فيستثنى من أقر أو طلق أو عتق بعد زمان ويرتفع حكم ذلك فالأولى تأويل ما نقل عن ابن عباس وغيره من السلف في ذلك